صلّوا في بيوتكم
هل يجوز ترك صلاة الجماعة بسبب الأوبئة؟
نظرة شرعية إلى تعليق الصلاة في المساجد زمن كورونا
في ظل تفشي جائحة فيروس كورونا (COVID-19) حول العالم، ومع تجاوز عدد الإصابات عتبة الـ80,000 حالة آنذاك، اتخذت العديد من الدول إجراءات صارمة للحفاظ على الصحة العامة ومنع انتشار الفيروس، خصوصًا في الأماكن المزدحمة التي تزداد فيها فرص العدوى، مثل دور العبادة والأسواق والمناسبات العامة.
ومن بين تلك الإجراءات، قررت العديد من الدول — بما فيها الدول الإسلامية — تعليق إقامة صلاة الجماعة وصلاة الجمعة في المساجد، كخطوة احترازية للحد من الاختلاط المباشر بين المصلين. وقد أثار هذا القرار ردود فعل متباينة في الأوساط الإسلامية، بين مؤيد يرى أن حفظ النفس مقدم على سائر الأمور، وبين معترض يرى أن تعطيل الصلاة الجماعية أمر غير مقبول مهما كانت الظروف.
لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه هنا هو:
ما الحكم الشرعي لتعليق صلاة الجماعة في أوقات الوباء؟ وهل من دليل من السنة النبوية على جواز الصلاة في البيوت في مثل هذه الأحوال؟
الصلاة في البيوت عند الضرر.. أصل شرعي ثابت
اتفق الفقهاء — من مختلف المذاهب الإسلامية — على مشروعية الصلاة في البيوت في حالات الضرر، كالمطر الشديد، والبرد القارس، والرياح العاتية، بل والأوبئة التي قد تفتك بالبشر، وهي أولى بالاعتبار من المطر والبرد. وقد ورد في السنة النبوية أحاديث صحيحة تؤيد ذلك، نذكر منها:
-
عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، قال:
«كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر المنادي في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر أن يقول: صلوا في رحالكم»
(رواه البخاري ومسلم) -
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، قال:
«خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فمُطرنا، فقال: ليصلّ من شاء منكم في رحله»
(رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه) -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال لمؤذنه في يوم مطير:
«إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حيّ على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم»
فقال الناس: استنكروا ذلك، فقال:
«أتعجبون من هذا؟ قد فعله من هو خير مني - يعني النبي صلى الله عليه وسلم -، والجمعة عَزيمة، ولكني كرهت أن أخرجكم فتَمْشُوا في الطين والدَّحض»
(رواه البخاري ومسلم)
قول الفقهاء: الحِكمة في تقديم حفظ النفس
قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم:
"يجوز للمؤذن أن يقول: (صلوا في رحالكم) أثناء الأذان أو بعده، وكلاهما ثبت في السنة، ولكن الأفضل أن يُقال بعد الأذان؛ حتى يُحافظ على ترتيب الأذان كما هو."
وأكد الشافعي وجمهور العلماء أن مراعاة الضرر العام مقدمة على إقامة الشعائر في جماعة، لا سيما إذا ترتب على ذلك ضرر محقق على الأنفس.
تعليق صلاة الجماعة ليس تهاونًا في الدين
إن قرار وزارات الأوقاف في الدول الإسلامية بتعليق الصلاة في المساجد خلال جائحة كورونا، لم يكن تهاونًا في أداء الشعائر، بل التزامًا بمقاصد الشريعة الإسلامية التي أكدت على حفظ النفس البشرية، أحد الضروريات الخمس الكبرى في الإسلام.
فالدين لا يأمر بالمخاطرة، ولا يفرض العبادات الجماعية على حساب الأرواح.
بل إن الالتزام بالتعليمات الصحية، والصلاة في البيوت عند الضرورة، هو امتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ودليل على فهم عميق لمقاصد الشريعة.
خلاصة: في الشدائد تتجلى رحمة الإسلام
الإسلام دين يُسر ورحمة، ولا يُكلّف نفسًا إلا وسعها. وقد بيّنت السنة النبوية أن في حالات الضرر والوباء، يجوز — بل يُستحب — الصلاة في البيوت، حفاظًا على الأرواح، وتطبيقًا لمبدأ "لا ضرر ولا ضرار".
وفي زمن الأوبئة، لا يضيع الأجر لمن صلّى في بيته مكرهًا، بل هو مأجور على حرصه ونيته، طالما القلب معلّق بالمساجد، والدعاء موصول بأن يُرفع البلاء، وتُعاد الحياة إلى طبيعتها، ويعود المصلون لسجداتهم في بيوت الله العامرة بالإيمان.
